السيد حسين بن محمدرضا البروجردي
512
تفسير الصراط المستقيم
والتفريد سلب من نفسه الحول والقوة وأضاف إلى ربّه الإمداد والمعونة على وجه الطلب والسؤال الذي هو وظيفة العبوديّة إزالة لغبار الشرك في الأفعال من أوهام الأغيار ، وإرجاعا لجميع الفيوض والإمدادات إلى اللَّه الواحد القهّار . فالعبادة وإن كانت هي المقصودة بالذات من العباد ولذا قدّمها ، إلَّا أنّها لا تتمّ إلَّا بمعونة الحقّ وإمداده وإفاضته ، لا بحول العبد وقوّته ، فإنّه لا حول من المعاصي ، ولا قوة على شيء من الطاعات إلَّا بمعرفة اللَّه وتوفيقه ، فقرنها بالاستعانة . ولذا ربما قيل : إنّ الجملة الثانية حاليّة والواو للحال ، إشعارا على كون العبادة في حال الاستعانة ، فالاستعانة بل الإعانة أيضا مقدّمة على العبادة رتبة وإن أخّرها لفظا ، نظرا إلى ما سمعت . مضافا إلى أنّ العبادة مطلوب اللَّه من العباد ، والاستعانة مطلوبهم منه ، فناسب أن يقدّم مطلوبه على مطلوبهم . وأنّ اقتران العبادة بالاستعانة للجمع بين ما يتقرّب به العباد إلى ربّهم وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهة ، وتقديم العبادة على الاستعانة كتقديم الوسيلة على طلب الحاجة رجاء الإجابة كما نبّه سبحانه على ذلك بقوله : * ( وابْتَغُوا إِلَيْه الْوَسِيلَةَ ) * « 1 » . مضافا إلى أنّ المعبود بالحق هو الذات البحت المجرّد عن جميع الإضافات والأوصاف المشار إليها بالأحدية المطلقة ، بل بالهويّة الغيبيّة ، والمستعان به هو المتجلّي بصفة الإعانة الَّتي هي من صفات الفعل ، فالعبادة توحيد ذاتي والاستعانة توحيد فعلي ، بل العبادة إذعان بالتوحيد ، والاستعانة تصديق بالولاية الَّتي هي باطن النبوّة ، فإن صفات الفعل كلها حادثة ، عندنا ، وستسمع ( إن شاء اللَّه تعالى )
--> ( 1 ) المائدة : 35 .